رضي الله عنه وأرضاه. لقد كان من رجالنا المعدودين، وكان من بناة قوميتنا المذكورين، وكان من الذين خلدوا أسماءهم بأعمالهم الجليلة، وجهادهم الموفق في صفحات التاريخ الوطني الحافل الثري.
لا أزال أراه، رحمه الله، بقامته المديدة، ووجهه المشرق الصبوح الذي يتلألأ عليه نور الإيمان، ويخط فوقه الاخلاص سطورًا واضحة يقرؤها كل أحد. ولا أزال أستمع إلى ذلك الحديث العذب، يخرجه من أعماق فؤاده خالصًا نقيًا، لا لبس فيه ولا مراوغة ولا نفاقًا، كأنما هو يفتح لك قلبه لتغترف من عذبه وفراته ما تشاء. إن قرّر مسألة فبقوة وإيمان واقتناع، وإن جادل فبالتي هي أحسن، وإن خالفك في الرأي فمن غير عناد وتعصب، وإن حاضر أو سامر فالدر المنثور، وأنهار من عسل مصفى. كل ذلك في تواضع محمود، وخلق كريم، وأريحية فاضلة، وشهامة وشمم بلغا درجة الكمال.
أول العهد:
كان رحمه الله أول من عرفت في القطر الجزائري من رجال العمل الصحيح والوطنية الحقة. ويرجع ذلك إلى يوم الثامن من شهر جوان، سنة 1925، عندما ضاق بي الاستعمار الظالم الغشوم ذرعًا، فرمت بي سلطة الاحتلال وراء حدود الوطن التونسي العزيز، مرتع جهادي، إلى الوطن الجزائري العزيز، منبت أجدادي. فما كدت أقضي ليلة ونهارًا بمدينة بونة مخفورًا، حتى امتطيت القطار إلى حاضرة قسنطينة الزاهرة، حيث استقبلني بعض الأصدقاء بحفاوة لن أنسى جميلها ما دمت حيا. ودعيت، غداة ذلك اليوم، لسمر ضم نخبة من رجال العلم والأدب، أحياء الشيخ مبارك رحمه الله، في المدرسة القرآنية الصغيرة التي كان يومئذ يشرف عليها، كانت النموذج الصالح لمدارس العربية الحرة إذاك.
كانت ليلة من أجمل وأجمل ليالي الحياة. خضنا فيها كل الميادين، وجبنا سائر الآفاق، واستعرضنا جميع مشاكل الحاضر والمستقبل، ووضعنا أسسا لأعمال، وحددنا برامج للمسير.
ماذا أقول؟ لقد تعرفت يومئذ إلى الجزائر برمتها في شخص ذلك العصامي الكبير: رأيت فيه الجزائر المستميتة في سبيل عروبتها، ورأيت فيه الجزائر المتفانية في سبيل إسلامها، ورأيت فيه الجزائر المناضلة في سبيل حريتها والتمتع بحقها في الحياة.
لقد عرفت كل ذلك، من خلاله، تلك الليلة. ثم ازددت بذلك إيماناً ويقيناً، حين اجتمعت الليلة الموالية، بطود العلم، وعلم الهدى، ومنار الكفاح والنضال، بطل الجزائر الخالد، عبدالحميد بن باديس قدس الله روحه.
أي والله! إن وطناً ينجب أمثال هذين الرجلين، لوطن حري بالحرية، قريب من تحقيق الغاية، وإن النظام الاستعماري الفاجر الذي ضرب الأمة في الصميم، وصادر حرياتها، ونزع عنها أرضها، وأبعدها عن مناهل العلم، ومنابع الثروة، ومناصب الحكم، وأراد أن ينزل بأهلها إلى دركة الحيوان الأعجم، ذلك الاستعمار آيل والله إلى الزوال، والاضمحلال، إذ هو لم يستطع رغم جبروته وطغيانه، أن يمنع الأمة من تكوين مثل هؤلاء الرجال.
كنت أردد هذه الخواطر في ذهني، وقد غمرتني غمرة من الجذل والتفاؤل، وتبدّى أمام مخيلتي مستقبل الوطن الكبير – المغرب العربي – وضاء باسم الثغر طلق المحيا، وهو يندفع كالسيل المتدفق، نحو حياة الحرية والعزة والكرامة، وتحقيق المثل الأعلى، ونظرت نظرة في الأسباب والنتائج، فإذا بي 307 أهتف بكل ما في نفسي من قوة وإحساس:
كلا! لن ينجح والله أي استعمار، في وطن رسخت فيه أسس جامع الزيتونة المعمور، رسوخ الجبال الراسيات. ولن تثبت والله ظلمات الاستعمار، مهما كانت حالكة قاتمة، أمام الأنوار والساطعة المنبعثة من ذلك المعقل المنيع، وهو بيت من بيوت الله الحرام.
كلام… ثم عمل: جزتنا حديث السهر، في مجلس الشيخ مبارك، لذكر تلك الدعاية المجرمة الخبيثة، الكاذبة الخاطئة، التي أثار حملتها دعي من أدعياء العلم، وكاذب من كاذبي التاريخ، وحقود لم يبرد الاستعمار نار الغل المتأججة في فؤاده ضد الإسلام بصفة عامة، والعرب بصفة أخص، هو لوي برتران، عضو المجمع العلمي الفرنسي إذاك.
سار هذا الرجل على غرار الذين سبقوه بسوء في ميدان الاختلاق على الإسلام، وتشويه سمعته، وتدليس تاريخه، كالراهب الأب لامنس وأضرابه، فضرب بسهم مسموم لم يصب به الإسلام، فالإسلام أسمى من أن تناله مثل هاتيك الترهات، إنما أصاب به قلوب الأمة فألمها وأدماها، وأيقظ منها ما كان نائما.
يدعي لوي برتران – من جملة دعاویه – أن الرومان كانوا في هذا الوطن كل شيء، وإنهم أصل الحياة فيه وأساسها، وأنهم طبعوا وطن المغرب العربي بطابعهم الخاص، فلن يزول عنه ذلك الطابع، وأنهم صبغوه بصبغة لن تحول إلى الأبد. وأن العرب سرقوا كل ذلك واختلسوه اختلاسا.
تحدثت إلى القوم يومئذ عن أفن هذا الرأي، وخطل هذه النظرية، وبسطت القول عن قرطاجنة الكنعانية، وأثرها العظيم في حياة هذه الأمة، وعن احتلال الرومان المستعمرين الذين قضوا القرون العديدة غرباء يكتفون باستعمار 308 الارض والاحتلال العسكري، حتى إذا ذهبت الأعاصير بدولتهم، مضوا كأن لم يغنوا بالأمس، وما تركوا فوق أديم أرضنا هذه إلا الخراب، ليس إلا.
قال لي الشيخ مبارك رحمه الله: هذه حقائق لا يعلمها إلا من كان مطلعا على لغة الافرنج، فدرس كتبهم، ومحصها فنفض عنها عن سميتها، واستجلى الحقائق بين آكام الأباطيل. أما الأمة يا أخي، وأما مجموع المثقفين ثقافة عربية صرفة، فهم بمنأى عن ذلك، بل لربما تأثروا بهذه الدعاية واغتروا بها، فهل فكر أحد في استجلاء غوامض التاريخ القديم، ثم قدمه للأمة، بلسانها العربي المبين، خاليا من شوائب الدعاية المغرضة، سالما من الأكاذيب والأباطيل؟
قلت : لكم علي هذا العمل. فسواء أطال الله مقامي بقطر الجزائر، أو رجعت إلى القطر التونسي، فسيكون هذا السعي مطمح أنظاري، ولن يمضي وقت طويل، حتى يكون في متناول الأيدي العربية بالشمال الافريقي، ما يميط اللثام عن هذا التاريخ القديم.
وهكذا، كان من نتائج هذه الليلة المباركة، في سمر الشيخ مبارك، أنني أخرجت بعد نحو السنة من ذلك كتابي: “قرطاجنة في أربعة عصور، أو تاريخ شمال افريقيا قبل الإسلام“.
وتعاونوا على البر والتقوى :
مضت على ذلك ستة أعوام، واجتمعنا من جديد، في عاصمة الجزائر، نشترك في إقامة صرح عالي الذرى، متين الاركان، هو صرح جميعة العلماء المسلمين الجزائريين.
وكان رحمه الله في هاتيك الاثناء، ينهمك في إنجاز مأثرته الخالدة، “تاريخ الجزائر في القديم والحديث” وقد جمع له أهم المصادر العربية فتعهدت له، بأن أجمع له أهم المصادر الفرنسية، وأن أقدم له مترجما إلى العربية ما يهمه من ذلك. وانكب كل منا عمله، منقطعا له انقطاع الناسكين.
وإذ تم تعريب أهم الأبواب، وأغلب الفصول من مختلف الكتب التاريخية الفرنسية، قدم العاصمة رحمه الله خصيصًا من أجل ذلك. وجاء معه بأصول الكتاب، وقضينا حوالي العشرين يوما في عمل مستمر، لا ينقطع إلا الفترات القصيرة، ونحن نقابل بين نص ونص، ونحكم مختلف الكتب فيما يتراءى لنا من تناقض أو اختلاف بين مؤرخي الشرق ومؤرخي الغرب، وننهمك في عمليات حسابية طويلة، كي ندقق تاريخا أو نوفق في شأن الحادثة الواحدة، بين ما يرويه هذا ويقصه ذلك.
وأقسم إنني ما عملت مع أحد عملاً أحب إلي، وأمتع لنفسي، – إذا استثنيت سني الجهاد ضمن الحزب الدستوري التونسي – من عملي ذلك، خلال تلك الفترة القصيرة، إلى جانب مبارك الميلي. ولقد رأيت فيه يومئذ خلالاً جعلته في نظري أنموذج المؤرخ الصادق، وهذه شهادة أؤديها للمعاصرين وللأجيال: صبر على البحث، وغلو في التحقيق والتدقيق، ومهارة منقطعة النظير في المقابلة بين النصوص، ونظرة صائبة في استجلاء الغوامض، وحكم صادق في أسباب الحوادث ونتائجها، ومهارة في الترتيب والتبويب، وحسن سباك يجعل التاريخ كله كالسلسلة المفرغة.
ولو أن تاريخ القطر الجزائري كان لا يشمل إلا الدول الإسلامية التي نشأت به، والتي استقلت فيه، كالدولة الرستمية، والدولة الحمادية، والدولة الزيانية، وبقية الدول أو الدويلات الصغيرة، لهان خطب البحث، ولسهلت مهمة التنقيب.
لكن تاريخ الجزائر يشمل إلى جانب تلك الدول الإسلامية المستقلة، فترات طويلة، وأحقاباً مديدة كان فيها قطر الجزائر يؤلف جزء من وحدة الشمال الافريقي، كعهد الدولة الموحدية مثلاً، أو يتبع جزء منه بلاد الشرق، وجزء منه بلاد الغرب. فكيف يمكن استجلاء تاريخ خاص، لعهد لم تكن البلاد فيه ذات دولة وسيادة؟
هنالك تظهر أناة مبارك الميلي، وتبدو حصافته، وهنالك تراه ينكب على التهام كتب التاريخ المتعلقة بالدولة الأغلبية، والدولة الموحدية، أو الحفصية، أو دول الأدارسة والفواطم وبني مرين، وغيرها من الدول التي تفيأت ظلال المغرب العربي، كي يجد فيها شيئًا أو بعض شيء يتعلق بالقطر الجزائري أو بجزء منه، أو بمدينة أو قرية فيه. ويكون يومئذ قد ظفر بشيء عظيم. ولقد رأيته يوما منكبا على قراءة كتاب لم يكن من المراجع المعدودة، ولم أكن أراه من الكتب التي تفيد في الموضوع شيئًا، فقلت له مداعبًا، وضحكنا يومئذ كثيرًا: تصدق عليك الكلمة التي قالها تركي لعربي، وقد رآه يأكل قرن الخرنوب: إنكم معشر العرب تأكلون قنطارًا من الحطب، لتحصلوا على مثقال من العسل!
فأجابني: لكن هنالك فارق، فأنا آكل أحيانًا قنطارًا من الحطب، ولا أتحصل على مثقال العسل.
هكذا أخرج مبارك رحمه الله للجزائر المسلمة كتابه الحافل، المدقق فكان خير كتاب أخرج لها، في عصرها الحديث.
تلك أفكارنا تدل علينا:
قال مبارك في مقدمة تاريخه: “إنما يكون للتاريخ هذا الأثر في ترقية عقول البشر ما دام على نقل الأثبات معتمدًا، وعن تدليس المغرضين مبتعدًا، خاليًا من خرافات أكثر المتقدمين، وعمايات المتعصبين من المتأخرين“.
فمبارك الميلي سلك في تدوين تاريخه مسلك التحليل العصري، فلم يكن يكتفي باستجلاء الحقائق، وإثباتها مجردة، بل كان يمعن النظر في الأسباب والنتائج، ويثبت أحكامًا هي عصارة فكره، وخلاصة رأيه، ونتيجة بحثه واستقرائه.
فتاريخ الجزائر في القديم والحديث، لم يكن من تلك الكتب الجافة الجامدة، المملة المضنية، بل كان إلى جانب التحقيق التاريخي كتابًا طريفًا حيا، تتراءى لك فيه شخصية مؤلفه العظيمة، فإذا بها شخصية هائلة، جسيمة، هي شخصية الوطني الصادق، شخصية المسلم الصحيح، شخصية العربي المتفاني في سبيل عروبته، شخصية الرجل المثالي الذي يدأب سعيا لإدراك غايته، والبلوغ بأمته، إلى ذروة المجد والعزة والكرامة.
فلتجل معي، سيدي القارئ الكريم، جولة استطلاع خلال صفحات التاريخ الجزائري الميلي، لكي تستخرج معي منها بعض ما بثه المؤلف المبرور من درر أفكاره وصادق أحكامه. وترى معي حقيقة شخصية مبارك الميلي، وميوله، وعواطفه، ونبل مقاصده، مما رصع به كتابه.
بين الشرق والغرب:
يقول أثناء استعراض ملتقى المدنيات الشرقية والغربية بهذه الأقطار: “والقضايا التاريخية ناطقة بانشراح صدور الافريقيين عموما للحضارات الشرقية، وسرعة تأثرهم بها، ومحاربة المدنيات الغربية، وتقززهم منها. وقد يعثر الباحث في بطون التاريخ على جزئيات لا تؤيد هذا الحكم، ولكنها نادرة. لا تقوى على مضادته أو نقضه” (ج1. ص43).
الخائن خائن:
يروي لنا الشيخ مبارك قصة الملك البربري سيفاكس، وما كان من أمر خصامه مع منافسه الملك البربري ماسينيسا، ثم سقوطه بين أيدي الجبابرة من الرومان، وموته أسيرا بمدينة روما الطاغية، ويقول:
“وهكذا ختمت سعادته بالسيادة، وبسطته في السلطة. فمات سجينا بعيدا عن الأهل والولد. وذلك مآل سياسته في منافسته لابن وطنه. واستعانته عليه بالرومان أولا. ويسرني – وايم الله ! – أن تكون هذه عاقبة كل سعي في جلب الأجنبي إلى وطنه، ليتقوى به على منافسه من أبناء جنسه” (1. ص 138).
ثم يروي لنا قصة ملوك البربر، الذين عملوا تحت لواء روما، ومهدوا لها سبل الاستقرار، فيقول: “هذا الرجل البربري الروماني، وهو يوبا الثاني، الذي مهد وطنه لسادته الرومان، وشجعهم على امتلاكه بعد ما حاولوا ذلك منذ أزمان، وأشرأبت أعناقهم إليه، فلم يقووا على تحقيق آمالهم فيه. وهكذا لولا الخيانة الجنسية (يقصد بذلك خيانة بني جنسه) من بعض الرؤساء، وضعف الغيرة القومية من الأمراء، ما حكم أجنبي وطنيًا، ولا ساد غريب أهليًا” (ج1. 209).
عقبى الظالمين:
انتهى الحكم الروماني في هذه الديار، بسرعة مدهشة، وإن احتلالاً يدوم زهاء ستمائة سنة، ثم يزول بمثل تلك السرعة المدهشة، لأمر غريب، فيقول لك مؤرخنا في تعليل ذلك، سائراً على غرار ما كنت شرحته بنفسي في كتاب “قرطاجنة في أربعة عصور“:
“وعندي أن لا سبب لسرعة احتلال الوندال غير مساعدة البربر لهم. وعلة مساعدتهم أنهم كانوا ينفرون من سلطة روما، ويعشقون الاستقلال. وقد حاولوا مراراً أن يبلغوا مرادهم من طرد الرومان، والاستقلال بوطنهم فلم ينجحوا. فلما وجدوا في الوندال نصيراً على طرد الرومان، أعانوهم مكتفين بهذا الشطر من غايتهم، إذ رأوا أنهم عاجزون عن الشطر الآخر وهو الاستقلال، فاستبدلوا احتلالاً باحتلال، تحقيقاً لأحد المقصدين، وتلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين” (ج1. ص 285).
ثم يقول في نفس الموضوع:
“على أن البربر ليس غرضهم من تسهيل طرق الاستيلاء للوندال، أن يفيدوهم في شيء غير طرد الرومان، وقد نالوا هذا الغرض. ويزوال الضغط الروماني استطاعوا أن يجددوا قوتهم الحربية، ويستعيدوا حياتهم الاستقلالية، هذا ما قصده من استبدال الوندال بالرومان. وهذا ما استفادوه منهم، وبلغوا منه غايتهم حتى أنه – كما سبق – لو لم يعجل الروم البيزنطيون بقدهم إلى افريقية لاستطاع البربر وحدهم أن يقضوا على الوندال، ويستقلوا بوطهم” (ج1. ص 298).
ماتت ملكة!
يدعى الكثير من مؤرخي الفرنج، أن ملكة البربر الشهيرة، رافعة راية المقاومة في وجه العرب الفاتحين، والتي اشتهرت باسم “الكاهنة” قد عرضت إسلامها وislam جماعتها على قائد العرب الميامين، حسان بن النعمان، فرفض عليها ذلك، وأبى إلا قتلها. وهذه مغالطة وتضليل، يقول في شأنها مؤرخنا الجليل:
“ولا شك أن طلبها الإسلام طمعًا في النجاة، لا عن إيمان، إنما هو نوع من الفرار، ويؤيد عدم طلبها للإسلام، أنها لو فعلت ما قاتلها حسان. وكل من له إمام ضعيف بتاريخ الإسلام يعلم أن العرب لا يقاتلون إلا بعد أن يعرضوا على محاربهم الإسلام، أو الجزية، فكيف يعقل رفض حسان لإسلام الكاهنة وهو إنما يحارب لتلك الغاية؟
ثم يقول:
“وكل من ينظر التاريخ بعين الحقيقة، يراها درة في جيد تاريخ المرأة. لما كانت عليه من حسن التدبير، وشدة البأس، وصدق الدفاع عن الوطن، والثبات على المبدأ” (ج1. ص 343).
هجرة الهلايين:
كاد المؤرخون يجتمعون على أن هجرة الأعراب الهلايين لهذا المغرب العربي كانت نكبة مؤلمة وخطأ جسيمًا أصاب الشمال الأفريقي، ويسايرون 314 المؤرخ العظيم ابن خلدون، في قسوته على العرب، ووصفهم بأوصاف الوحشية والفظاعة والتخريب، إلى غير ذلك مما هو بادي المبالغة، ظاهر التعرض، واضح الغاية.
فلاستاذ الميللي، العربي الفُحْ، والممحص القدير، يقدم لنا استقرار العرب بالشمال الأفريقي، وما تبعه وما عقبه من أعمال، بصورة جديدة، تتجلى لك واضحة في الفقرة الآتية:
“وهكذا تم للعرب استيطان الجزائر، بالرغبة من سيوفهم أولاً، وبالرغبة فيها أخيرًا. فأقطع لهم ملوك البربر الاقطاعات، وأجزلوأ لأمراءهم الصلات، وأضيفت افريقيا الشمالية إلى جزيرة العرب جنسيًا، بعدما تبعتها دينيًا وسياسيًا.
ثم يعقب على قول ابن خلدون في إن العرب تركوا بعض الجهات في الشمال الأفريقي “قاعًا صفصفاً، أقفر من بلاد الجن، وأوحش من جوف العير“: إنه مبالغة أجنبية عن أسلوب التاريخ.
ويقول عن حوادث استقرار العرب:
والمسؤول عما لحق المغرب من أضرار الحرب هي صنهاجة التي لم تحسن سياسة هؤلاء العرب، وجرأتهم عليها، بما كان بين دولتيها من تنافس. وقد بالغ كتاب العربية في تقدير الاضرار، ثم حملوا الهلالين مسؤوليتها. ذلك لأنهم كتبوا لدول بربرية، ولم تكن للهلالين حكومة تطمعهم في أنعامها. ولبداوتهم لم يهتموا بدعاية سياسية تنشر لهم أو عليهم. واتخذ كتاب الفرنسية مبالغات كتاب العرب، سُلَّمًا لثلب العرب. وصاروا يطرون البربر، بعد ما كانوا يقذفونهم بأشنع القذائف في الدورين الروماني والبيزنطي“.
ويختم بحثه الممتع بقوله:
“فكان نفوذ الهلالين في البربر اجتماعيًا، لغويًا، جنسيًا. كما كان نفوذ الفاتحين (الأولين) دينيًا سياسيًا. ويمتاز نفوذ العرب في غيرهم من الأمم، بأنه غير ناشىء عن دعاية سياسية، وأنه خالد خلود الراسيات، لا يذهب بذهاب سلطانهم، ولا توهم من قوته الدسائس الأجنبية” (ج2. ص119، 121، 122).
البطولة:
ولعلي أطلت على صاحبي القارى، هذه الجولة التي تتبعنا فيها أفكار وآراء مبارك الميلّي خلال كتابه. ولعله قد رأى شخصية مؤرخنا العظيم متجلية شامخة، خلال الفقرات الوجيزة التي رأيت نقلها من مختلف أبواب الكتاب. فلنختم هذه الجولة، بهذا الحكم الفلسفي الذي يصدره في شأن حياة الأمم، وتكوين الدول، بمناسبة نشأة دولة الموحدين:
“ولم تكن مصمودة لتستغل ما وهبها الله من كثرة عدد، وخصب موطن، ومناعة موقع، لولا أن قضى الله لها من أبنائها: محمد بن تومرت. ذلك الرجل الذي كلما أمعن المفكر النظر في حياته ازداد إيمانًا بالفطرة. واستيقن أن من بني حياة أمتها على قاعدتها، هو العظيم الخارق للعادة. وإن من يبني حياة الأمم على قاعدة التدرج، ووفقًا لمبدأ النشوء والارتقاء، فإنما هو من العظماء العاديين” (ج2. ص 159).
مسك الختام:
إن هذا الغيض من فيض، وإن تدوين حياة مبارك الميلّي، وبحث آثاره، واستقراء أفكاره، ليس مسألة مقال، مهما كان طويل الذيل، واسع الحاشية، إنما هو مسألة بحث عميق، يتناول مختلف نواحي الحياة العامة، ويستعرض أعمال مؤرخنا العظيم في كل ناحية منها، وله رحمه الله أعمال شتى في مختلف ميادين الحياة الجزائرية. فلهل هذا العدد من “البصائر” يكون تمهيدًا لدراسة أخرى مستفيضة، تكون أبعد غورًا، وأفسح مجالًا. ولعل الكرام الكتابين الذين دونوا شيئًا عن ذكرياتهم، ودراساتهم لحياة وأعمال رجلنا العظيم، يبدأون على 316 ذلك العمل، ويزدادون توسعًا فيه، حتى نتمكن جميعًا من القيام بحق الوفاء، وحق الاعتراف بالجميل، لهذا العبقري النابغ. ثم أهيب بالذين لم يكتبوا شيئًا مِمَّا علموه من علم وعمل وفضل هذا الرجل الكبير، أو الذين علموا وكتبوا، أن يسرعوا بتسجيل ذلك، ونشره. ورحم الله أمير شعراء العربية شوقي بك حيث يقول:
ليس با لفاضل في نفسه من ينكر الفضل على ربه
وإن قلبي ليعجز، وما عهدي بقلمي عاجزًا، على أن يجمع في كلمة الختم مختلف ما يدور بخلدتي من شتى الأفكار والآراء، حول هذه الشخصية السامية، وما تجيش به نفسي من عواطف الاجلال والاكبار، نحو صديقي وأخي الراحل العظيم، فلأستنجدن بتراث ابن باديس الكبير، ولأستعين منه جملة من جملة الخالدة، تعبر عن إحساس الأمة الجزائرية، بله المغربية، بأسرها، وتبدي شعورها وعواطف إجلالها واحترامها وتقديرها الكبير، لفقدنا العظيم، حين يكتب له قائلاً:
“إذا كان من أحيا نفسًا واحدة، فكأنما أحيا الناس جميعًا، فكيف من أحيا أمة كاملة؟. أحيا ماضيها وحاضرها. وحياتهما عند ابنائها حياة مستقبلها. فليس – والله – كفاء عملك، أن تشكرك الأفراد، ولكن كفاءه أن تشكرك الأجيال“.
رحم الله الميلّي وابن باديس. ورزق الأمة من أمثالهما الكثير. فالشعب الذي أنجبهما يستطيع أن ينجب من يسير على غرارهما، ويقتفي خطاهما. والأمة الولود لا تعقم أبدًا. وليحى الإسلام! ولتحى العربية! وليحى الوطن!
(البصائر) 1 مارس 1948
![]()

