أضواء على التاريخ الإسلامي في الجزائر

هذا نص محاضرة للأستاذ المدني ألقيت فيما يبدو في السنة السادسة من ثورة نوفمبر 1954 الأغلب في دولة مصر الشقيقة.

اسمحوا لي، قبل أن أجول مع حضراتكم هذه الجولة القصيرة في حدائق التاريخ الجزائري الغناء بأن أتقدم بكلمة شكر وثناء لهذه المؤسسة الصالحة، المؤتمر الإسلامي، ولأمينها العام  المجاهد الجسور إذ أتاحا لنا هذه الفرصة السعيدة، للاجتماع وتبادل الآراء والأحاديث حول أهم المشاكل التي تواجه العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر.

وإذا كانت قضية الجزائر – سادتي – قضية عالمية بحكم ملابساتنا وبحكم تأثيرها على مجرى السياسة العالمية، فهي إلى جانب ذلك، قضية عربية يتوقف على مصيرها مصير الحرية والاستقلال والحياة العزيزة في كل قطر من أقطار الأمة العربية، وذلك تبعاً لوحدة الجنس واللغة، ووحدة المشاعر والثقافة ووحدة الالام والآمال، ووحدة المدينة التي اشترك أبناء العرب أجمعين وإقامة معالمها قديماً، والتي يشتركون اليوم وغداً في النهوض بها من كبوتها المؤقتة، والسمو بها إلى أعلى الدرجات، وقضية الجزائر مع ذلك سادتي – قضية إسلامية، عامة، فالشعب الجزائري الأصيل شعب مسلم قوى الإيمان متمسك بالكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح ، يشعر اليوم كما كان يشعر منذ ألف ومائتي سنة، بأنه جزء لا يتجزأ من هذا العالم الإسلامي الفسيح الأرجاء، الممتد الأطراف، الذي كانت كلمة التوحيد رابطة الوثقى التي لا انفصام لها، الذي خلد القرآن وحدته، فلا تستطيع يد بشر أن تمتد إليها بسوء.

فالجزائر العربية المسلمة عريقة في أمجادها التاريخية، سواء أكان ذلك في عصور جاهليتها، أو كان ذلك في عصور إسلامها. وقد سجل تاريخها صفحات زاهية، تمتزج فيها قوة الشكيمة برقة الحضارة وتتصافح في عليائها أكف بناة الدول، مع أكف العلماء والأدباء ورجال الفنون.

والظاهرة القوية التي يمتاز بها التاريخ الجزائري، منذ أقدم عصوره إلى يومنا هذا ، هي تفاني هذا الشعب في سبيل الحرية، واستماتته في سبيل الاستقلال، فكانت حياة هذه الأرض المكافحة، أيام كانت تدعى (نوميديا) في التاريخ القديم، وأيام كانت تدعى المغرب الأوسط، في التاريخ العربي، أو أيام أصبحت فى التاريخ المعاصر، منذ القرن الخامس عشر تدعى الجزائر، حياة حرية واستقلال.

فإذا ما تصدى اليوم سياسی مکابر ،مغرور كاذب على التاريخ وادعى في خطاب عالمى أن الجزائر لم تكن في وقت من الأوقات وطناً ولا وشعباً، وأنه لم يسمع أبداً أن هذه يذكرنا بالمثل المشهور في بلاده أشد الناس صمما هو الذي لا الأرض قد كونت في القديم أو فى الحديث دولة وحكومة فإنه يريد أن يسمع».

فنحن ندمغ هذا الادعاء الكاذب، بحقائق التاريخ وشهادة الواقع ونؤكد أن هذه الأرض الجزائرية قد اخترقت تاريخها الجاهلي وهي أما مستقالة تحت اسم (نوميديا) أو مجاهدة في سبيل الاستقلال. ثم هي اخترقت عصور التاريخ الإسلامي، بعد فترة الفتح الأولى، حرة مستقلة ذات سيادة، وكانت هذه الحرية والاستقلال يكتسبان الصبغة الإقليمية أحياناً، في دول لا تشمل إلا المغرب الأوسط، أو يكتسبان صبغة عامة في الاستقلال يشمل كل جهات المغرب العربي.

وإذا كنت اخترت لحديثي الليلة عنوان: «أضواء على التاريخ الجزائري»، فذلك لكي أقيم الدليل، ولو بصورة موجزة مختصرة، على مدى ما تمتع ما أسهم في إقامة دعائم الحضارة قديماً وحديثا .

هنالك حقيقة ثابتة سجلها التاريخ ولا مجال لنكرانها، ألا وهي أن قطر الجزائر، كبقية أقطار المغرب العربي، قد تعرب وأصبح جزءاً لا يتجزأ من العالم الشرقي، منذ ما يزيد عن الثلاثة آلاف سنة …. لا منذ الفتح العربي فقط، فالكنعانيون الذين كانوا يحملون في عصور التاريخ الأولى مشعل المدنية ويجوبون حوض البحر المتوسط، ينقلون البضاعة وينشرون العلم والمعرفة ارتادوا سواحل  المغرب العربي وكانوا أول الناس وأسسوا على الساحل الجزائري من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، مدن صلدة وهي بجاية وجيجل، وتنس، وشرشال وغيرها من المراكز التجارية التي اكتشافاً له وتعاملاً معه، أصبحت قبل ألف سنة من ميلاد المسيح ، نقط ذات أهمية  بين المشرق والمغرب لا في ميدان التجارة وتبادل البضاعة فحسب بل كانت أكثر من ذلك، أشبه بمدارس عالية، بثت في أطراف البلاد لغة الكنعانييين، وقد كانت عربية لا يسر علينا فهمها اليوم لو تكلم بها متكلم أمامنا، أو لـ (قرأنا آثارها المنقوشة على الحجارة ونشرت الأبجدية الكنعانية المحكمة التي لا نزال نستعملها إلى يومنا هذا في حساب الأقسام ابجد هوز … إلخ .

ولم يكن استقرار الكنعانيين على السواحل الجزائرية بواسطة حروب أو أعمال عنف أو احتلال عسكري، بل كان استقراراً سلمياً وادعاً . حتى إذا ما جاءت الأميرة الكنعانية (عاليشة) واختطت مدينة (قرطة حدثت أي : القرية الحديثة، وجدت الجو مناسباً لتكوين تلك الدولة الضخمة ذات المدنية الشامخة، والمنشآت العمرانية التي لا يزال يحدثنا عنها التاريخ حديثاً عجباً، والتي أمتد سلطانها فى دولة حرة مستقلة وطنية على كامل بلاد المغرب العربى، تلك هي دولة القرية الحديثة، أو دولة قرطاجة بعد تحريف الكلمة، أصبحت الكنعانية العربية لغة الدولة والحكم والعلم ، ودام هذا الحال نحو امن تسعمائة سنة، إلى أن حطم الاستعمار الرومانى الجشع هذه الدولة وهذه المدينة سنة 150 المسيح، وحتى على العلم وعلى الفن وعلى الإنسانية بذبح وتقتيل ثمانمائة ألف نسمة في قرطاجنة، وإحراق المدينة حتى لم يبق فيها حجر على حجر، وإتلاف مكتباتها الضخمة التي كانت تجمع كل ما وصل إليه العلم والفكر في ذلك العصر.

ولعل القليل من الناس يعلمون أن رجال هذه الدولة المغربية العربية الضخمة كانوا أول من اكتشف قارة أمريكا في مغامراتهم نحو المغرب، كما كانوا أول من اكتشف الساحل الغربي الأفريقي إلى جنوب الكمرون. فإذا كان كتاب رحلة حنون الأفريقية قد أنقذ من الكارثة ولا يزال يوجد حتى الآن، كما لا يزال يوجد كتاب الفلاحة لماغون، فإن الكارثة لم تبق على أي رسالة تتعلق باكتشاف أمريكا، لو لا أن رواد المدينة والاستكشاف تراكوا هنالك، على سواحل البرازيل صخرة منقوشة، سجلوا فوقها محنتهم وآلامهم، حيث أن السفن التي جاءت بهم ، ورجعت لقرطاجة لم تعد إليهم، فهذه الصخرة التي وقع حولها جدال كبير بين علماء الآثار والتاريخ تقول مثلاً : هنا احنا بني كنعان، فرنم حقرة حميل – موش حرام حصهيك – ترأسنا أو تا عشرة … إلخ ولا أنهم كانوا عند عين حمئى بدليل قولهم في تلك الوثيقة في معرض الشكرى، كي الحي حي ماء هي حاراً، فهل من دليل أقوى من هذا الدليل على عروبة تلك اللغة؟

وفي العصر، وبعد كارثة قرطاجنة، كانت دولة نوميديا الناشئة وهي تمتد على كامل البلاد الجزائرية اليوم، تستكمل قوتها وتنشئ إدارتها مستعملة الترات القرطاجني الضخم، عندما تصدى لها الاستعمار الروماني الجشع يريد تحصيلها وابتلاعها ولم يكن الملك يوغرطا العظيم بالرجل الذي يلين أو يستسلم فجهز جيوشه والتحمت فوق أديم الأرض التي تؤلف البلاد الجزائرية اليوم، أول أضخم معركة ضد الاستعمار في العصر القديم دامت ثلاثين سنة، في نفس الميادين التي تدور فيها اليوم آخر وأضخم معركة ضد الاستعمار في العصر الحديث، وهكذا رأت الأرض الجزائرية منذ ألفي سنة، معارك التحرير والاستقلال يتلو بعضها بعضاً، فالراية التي رفعها يوغرطة، والبطولات التي سجلها المؤرخ سالسطس، هي نفس الراية التي يرفعها اليوم وهي نفس البطولات التي يسجلها اليوم أبطال جيش التحرير الوطني الجزائري، وقد أشربوا في قلوبهم إلى جانب ذلك، شرف العروبة وعزة الإسلام.

وجاء الإسلام بنور هدايته، فالتقت فوق أديم الأرض الجزائرية قوتان عظيمتان قوة دين جاء يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي  القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ويجهر بمبدأ المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله، وقوة وطنية جامحة تريد الاستقلال وتموت في سبيله، وتعتقد أن كل فاتح مستعمر، وأن هذا العربى الذى جاء من الشرق إنما هو نفس الروماني الذي جاء من روما أو الرومي الذي جاء من بيزنطة . . . فالتقى القوم حول الكاهنة فى نفس معتقل الأوراس الذي اصبح ايام ثورتنا الحالية ملء سمع العالم وملء بصره ، ودارت المعارك الطاحنة بين فكرتين وبين مبدأين واستبسل الخصمان وخرجت الأبطال صرعى، إلى أن انتهت المعارك الطاحنة بفوز الإسلام فدخل الناس في دين الله أفواجاً ، وأقبل القوم على القرآن يحفظونه ويدرسونه، ويتخلقون  أخلاقه، وما هي إلا فترة وجيزة من الزمن، حتى رأينا متخاصمي الأمس، العربي والأمازيغي (البربري) يسيرون تحت قيادة طارق بن زياد، يحملون راية التوحيد وأنوار المدينة إلى بلاد الأندلس، وما وراء جبال البرانس وهم يتلون قوله تعالى : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا.

منذ ذلك اليوم تغيرت سادتي مجرى التاريخ في البلاد الجزائرية فأصبح جزءاً لا يتجزأ من التاريخ العربي العام، ومن التاريخ  الإسلامي العام مع محافظة على الطابع المحلي، وعلى استقلاله المطلق في دائرة العروبة والإسلام.

وهناك حقيقة في التاريخ الجزائري الإسلامي، تدل على مدى تعلق هذا البلاد بحريتها السياسية وباستقلالها عن كل تبعية ألا وهي أن بلاد المغرب الأوسط أو بلاد الجزائر اليوم كانت أول مقاطعة إسلامية في أفريقيا أعلنت استقلالها عن دولة الخلافة، فبعد تلك الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت كل جهات بلاد الإسلام من خوارزم إلى الأندلس تحت راية بني أمية بدمشق، وأوائل العباسيين ببغداد، أخذت بلاد الإسلام الثانية تستقل عن الخلافة بحكم نفسها، لأسباب مختلفة فكانت بلاد المغرب الأوسط، أي بلاد الجزائر اليوم هي   أول من فتح هذا الباب سنة 169هـ وذلك بتأسيسها الدولة الرستمية على يد القاضي عبد الرحمن بن رستم ومن تبعه من رجال  الحركة الدينية التي يدعوها التاريخ بحركة الخوارج من المؤيدين لهذا المذهب الذي انتشر في ذلك الحين انتشاراً عظيماً بالمغرب الأوسط. ولقد كان ذلك في نفس الوقت الذي استقلت فيه بلاد الأندلس تحت قيادة صقر قريش عبد الرحمن الداخل، ثم توالت الأحداث بعد ذلك بالمغرب العربي كله فاستقل المغرب الأقصى وكون دولة الأدارسة سنة 172هـ ، واستقل المغرب الأدنى أي البلاد  التونسية، وأسس دولة بني الأغلب سنة 185هـ، ووصل هذا التيار إلى مصر سنة 854هـ حيث تأسست دولة بني طولون.

كانت دولة بني رستم بالمغرب الأوسط – أيها السادة – من أغرب الدول التي نشأت ببلاد الإسلام، فهي في عقيدتها الدينية خارجية بحتة، وقد طبقت ونفذت بصفة عملية نظريات الخوارج فيما يتعلق بالحياتين الدينية والمدنية، وتقيدت بمذهب الإمام عبد الله بن أباض، بينما كانت بقية بلاد المغربين الأدنى والأقصى تنشر مذهبي مالك وأبي حنيفة.

وكان نظامها قائماً على الشورى، وانتخاب الإمام، ولها مجلس تنفيذي يدعى مجلس الشراة أى الذين اشتروا ما عند الله وأحسنت  تنظيم الجند والشرطة ونشرت العدل والأمن بين الناس بصفة عز نظيرها ، واختارت من بين رجال العلم والدين طبقة المحتسبين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقومون إلى جانب ذلك بما تقوم به اليوم جمعيات الرفق بالحيوان .

ولقد دامت هذه الدولة القومية 136 عاماً، وتداول الحكم فيها سبعة من الأئمة من اعقاب عبد الرحمن بن رستم وكانت إلى جانب مذهبها الديني المتشدد متسامحة مع اتباع غير مذهبها ، متسامحة مع اهل الذمة حسبما تقتضيه تعاليم الإسلام، ناهيك أنه قد نبغ تحت رايتها يهودى من أهل اللغة العربية وفنونها وقد ترك كتاباً عن اللغات العربية والكنعانية والعبرية والبربرية، برهن فيه بأدلة قاطعة على أن هذه اللغات إنما هي لغة واحدة ترجع إلى أصل واحد. وتوجد من هذا الكتاب نسخة بمكتبة أكسفورد.

وفي ظلال هذه الدولة الرستمية ازدهر العلم والأدب، ونشأ في البلاد الجزائرية عدد عظيم من كبار الشعراء؛ كبكر بن حماد، وابن الهرمة. ومن كبار المحدثين؛ كإبراهيم بن عبد الرحمن التنسي، وأضرابهم. ولا تزال توجد إلى يومنا هذا بالجنوب الجزائري، أي بعد ما يزيد عن الألف سنة من انتهاء أمر هذه الدولة، بقايا صالحة لها من أشد الناس إيماناً وأمتنهم أخلاقاً، وأكثرهم غلواً في المحافظة على تعاليم المذهب الإباضي، يبلغ عددهم نحو الخمسين ألفاً من صالح المواطنين الجزائريين وقد نزحوا فارين بمذهبهم ومعتقداتهم إلى أقصى الجنوب، عندما تغير شكل الحكومة بأرض الجزائر وتغير مذهبها كذلك.

وكما كان الاستقلال الجزائري الأول قائماً على فكرة دينية ومذهب إسلامي معروف، فكذلك كان الاستقلال المغربي العام، الذي دخلت فيه الجزائر إلى جانب تونس والمغرب الأقصى، قائماً على أساس فكرة دينية ومذهب إسلامي معروف أيضاً .

ففي مستهل القرن الثالث الهجري، قامت ببلاد المغرب الأقصى دولة للشيعة متعالية في تعاليمها وزادها الخوارج. وما لبثت هذه الدولة الناشئة أن بسطت على كامل بلاد المغرب العربي، فحصلت مملكة بني رستم بتهيرت، كما حصلت مملكة بني الأغلب بالقيروان، وهكذا خرجت أرض الجزائر إلى حين، من الاستقلال الإقليمي في المغرب الأوسط، إلى الاستقلال الواسع في المغرب العربي الكبير.

هذه الدولة الناشئة التي جعلت المغرب العربي في دولة واحدة تحت راية الشيعة والتي اختط لها عبيد الله المهدي مدينة المهدية على الساحل التونسي عاصمة لها، هي دولة يعرفها الشرق العربي معرفة جيدة لأنها استقرت فيه ووطدت أركانها، وتركت آثار لا يمحوها الزمان تلك هي الدولة الفاطمية ومن آثارها مدينة القاهرة والجامع الأزهر الشريف، وما أدراك ما هما .

ولنترك للتاريخ حرية الحكم للدولة الفاطمية أو عليها، إنما نقول فيما يتعلق بالتاريخ الجزائري خاصة وتاريخ المغرب العربي عامة : إن هذه الدولة لم تعمر عندنا طويلا، ولم تكمل من السنين، فما كانت تنزح بملوكها وجهازها وتعاليمها إلى المشرق، وتستقر بمصر وببلاد الشام، حتى بادر المغرب العربي بإقامة دعائم دول أخرى مستقلة، تتجاوز مع رغبة أهله المائة وتنبثق من صميم حياتهم. فكانت دولة المرابطين بالمغرب الأقصى، وكانت دولة بني حماد بالمغرب الأوسط (الجزائر) وكانت دولة بني باديس بالمغرب الأدنى (تونس). إلا أن العصر الفاطمي في أرض الجزائر لم يكن خالياً من الأثر؛ فخلال نيف وتسعين سنة تكونت على السواحل الجزائرية حركة تجارية عظيمة، ونشأ لأول مرة أسطول جزائري تجاري وحربي فكانت السفن من هنالك تربط فيما بين الإسكندرية وطنجة ومرافئ الضفة الأوروبية من البحر المتوسط. كما أن القوافل التجارية الجزائرية كانوا يتوغلون في بلاد الجنوب عبر الصحراء، ونشروا هناك دين الإسلام ولغة العرب وتم الامتزاج بينهم وبين أهل الصحراء حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من بلاد المغرب العربي.

ونبغ من أبناء الجزائر في هذا العصر الفاطمي جماعة من أعلام الأدب والعلم؛ كالطبيب الفيلسوف ابن تميم، والجغرافي العظيم محمد بن الوراق . أما دولة بني حماد الرفيعة العماد، فقد نشأت بالبلاد الجزائرية في أواخر القرن الرابع الهجري سنة 398هـ، وكانت قاعدتها مدينة القلعة، ولا تزال آثارها قائمة إلى الآن. وما أن اتسع ملكها، وانتظمت إدارتها واشتد ساعدها، حتى نقلت العاصمة إلى بجاية، وهي جوهرة فريدة على البحر المتوسط، ذات مناظر خلابة ساحرة تكتنفها الحدائق والغابات وتبارى ملوك بني حماد في قلعة بني حماد في إقامة القصور الشامخة والمساجد الضخمة والمدارس الفسيحة. وأصبح مرسى بجاية يومئذ من أشهر مراسي البحر المتوسط وأكثرها حركة، وأوسعها تجارة .

وجاء العلماء والأدباء ورجال الفنون من المشرق العربي ومن بلاد الأندلس، يؤمون رحاب البلاط الحمادي، حيث يجدون الحياة الفكرية العامرة، ويعقدون مجالس الدرس والمحاضرة والمناظرة. أما الشعراء الذين جاءوا من كل صوب، وصاغوا في وصف بجاية ومدح ملوكها الخوائد الحسان، فحدث عنهم ولا حرج، ومن أهمهم الشاعر العملاق عبد الجبار بن حمديس الصقلي .

فبجاية كانت في ذلك العصر الزاهر، تزاحم بما فيها من عظمة الملك والعمران والعلماء والأدباء والشعراء، قرطبة والقاهرة وبغداد. وقد سجل تلك الأمجاد المؤرخ الشهير محمد بن علي الصنهاجي في كتابة الثمين: نبذة المحتاجة في تاريخ صنهاجة وأنجبت بجاية في ذلك العصر، أمثال: المؤرخ ابن علي والمجتهد المفسر الكبير ابن الرماح، واللغوي النحوي ابن العفراء، ومئات من اضرابهم، ترجم لبعضهم العلامة الغبريني في كتابه الشهير عنوان الدراية فى علماء بجاية ، وما هو إلا غيض من فيض .

وعندما كانت هذه الدولة الحمادية تقنيا مقعدها الوارف الظلال بالمغرب الأوسط، كان الإسبان ببلاد الأندلس، قد أخذوا يحطمون دعائم الملك الإسلامي، ويأكلون المملكة من أطرافها، فنزح الكثير من أهل الأندلس إلى أفريقيا، واستهوتهم شهرة بجاية واتساع ملكها واستقرار الأمن فيها فتوافدوا عليها في جماعات غفيرة، واستقر علماؤهم وأدباؤهم ورجال الصناعة منهم والفن في العاصمة، وفي كبريات المدن، وأفادوا البلاد بخبرتهم الصناعية والفنية وبعلومهم وآدابهم، فازداد بذلك تفوقاً ولمعاناً، هذه المدينة ومملكتها العظيمة وأصبح أسطولها يجوب كل البحار، وارتبطت مع أغلب دول الضفة الأوروبية للبحر المتوسط لمعاهدات تجارية لا تزال بعض نصوصها محفوظة إلى اليوم .

وفي أواخر أيام الدولة، وقع نزوح أعراب بني هلال وبني سليم، ومن صحراء مصر الشرقية إلى بلاد المغرب العربي وكانت جموعهم كثيرة جداً قدرها بعض المؤرخين بمليون نسمة، وكانوا أهل بداوة لا تتفق بحال مع رقة المدينة التي كانت موجودة يومئذ بمملكتي القيروان وبجاية، فاختل بذلك التوازن الاجتماعي، ودب الاضطراب، وعملت معاول الخراب في جهات المملكة، ووقع ما لم يكن من وقوعه فى مثل هذه التنقلات الجماعية العظيمة، من مصادمات ومشادات ومسيل دماء عمت كل جهات المغرب العربي، حيناً من الدهر.

ولقد كان لهذا الحادث التاريخي العظيم نتيجتان لهما أكبر الأثر في مجرى حوادث المستقبل منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا .

النتيجة الأولى : هي أن التركيب العنصري في البلاد المغربية عامة وفي بلاد المغربين الأدنى والأوسط – أي: تونس والجزائر على الأخص – قد طرأ عليه تغيير تام، بل قد انقلب مع مرور الأيام رأساً على عقب، ذلك أن الأعراب الهلاليين قد انتشروا فوق كامل الرقعة المغربية، وعلى الأخص في جهات السهول والصحراء وجبال الجنوب، وابتلعوا القبائل البربرية التي كانت هناك فاندمجت فيهم وتعربت بصفة مطلقة وأصبحت اللغة العربية هي اللغة الوحيدة في هاتيك الأصقاع، واكتست البلاد صبغتها العربية النهائية إلى الأبد، بل إنه لا تزال لدينا إلى يوم الناس هذا، في كثير من بلاد الجنوب والمغرب بالقطر الجزائري مجموعات من القبائل العربية الأصيلة التي تحتفظ بعاداتها وتقاليدها وأنسابها ولهجتها البدوية الصافية، وكأنها قد نزحت بالأمس من الحجاز ونجد.

أما النتيجة الثانية فهي أن الدول المغربية التي صدمت بهذه الموجة البشرية الجديدة ولم تجد حلا لمشكلتها، قد انكمشت في أول الأمر على نفسها ، وضاقت الرقعة التي تبسط عليها سلطانها وآذن نجمها بالأفول فبقي الناس ينتظرون حادثاً جديداً، يعيد إلى البلاد وحدتها وقوتها وازدهارها. وما كان ذلك ليقع إلا على بساط : المغرب العربي الكبير . والذي جعل الناس ينتظرون هذا الإنقاذ وهذا المنقذ أكثر من كل شيء، هو أن البلاد المغربية عامة وهي تواجه هذه الأزمة العظيمة دون أن تجد لها حلاً جماعياً، قد فوجئت أيضاً بخطر الغزو الأجنبي يهدد سواحلها، ويستولي على مدنها البحرية، ويهدد حياتها بالاضمحلال، ومدينتها بالانهيار وسكانها بالذلة والاستعباد. وذلك أن رجال النورمانديين الذين دخلوا من سوء حظ العروبة والمدنية والإنسانية جزيرة صقلية الفيحاء، وقضوا على مدنيتها  الرفيعة التي كان لها الأثر الفعال في تكوين وتغذية النهضة العلمية والفنية والاجتماعية بأوروبا، جاءوا بمراكبهم يغزون أفريقيا الشمالية ويحطمون قواها، قصد استعمارها ونهب خيراتها من جهة، وحتى لا نفكر في إعادة الكرة على صقلية، من جهة أخرى.

وجاء الإنقاذ وجاء التوحيد، وجاء البعث الجديد، في شخص الدولة الموحدية، التي نشأت ببلاد المغرب الأقصى، على يد بطل من أبطال العروبة والإسلام الخالدين : عبد المؤمن بن علي من مواليد ندروما بأرض الجزائر . في سنة 524هـ قامت دولة الموحدين على أسس دعوة إصلاحية إسلامية عامة، ونهضة قومية شاملة، لإنقاذ الموقف، وتطهير البلاد من خطر الفوضى الداخلية، ومن خطر الغزو الأجنبي، وما هو إلا أمد وجيز حتى اخترق عبد المؤمن بن علي كامل بلاد المغرب العربي من أقصى مغربه إلى أقصى مشرقه، وأزال دون صعوبة بقايا دولة بني حماد ببجاية ولم تكن الأمة السالفة الذكر قد أبقت منها إلا شبحها، كما أزال بسهولة بقايا دولة الصنهاجيين بالمغرب الأدنى قد خلت الجزائر ضمن هذا الاستقلال المغربي المتسع الذي ترك في البلاد آثاراً لا تمحى، حيث وحد فيها السياسة ووحد فيها المذهب الديني ووحد فيها نظام الجباية، والقضاء. ووطد فيها أركان الإيمان بصفة منقطعة النظير، وقضى على آمال النرمانديين وألقى بهم إلى غير رجعة وراء البحار وحل مشكل النازحين الهلاليين، إذ أقطعهم الأرض وحدد لهم المناطق وأدخلهم بصفة نهائية ضمن الحياة السياسية والاجتماعية بهذا المغرب العربي، فأصبحوا عنصراً سياسياً في صميم حياته وكيانه. ففي مدة تسعين عاماً، أرجعت هذه الدولة الموحدية لكل جهات المغرب العربي الهدوء والاستقرار، فأينعت من جديد غضون النهضة الكبرى، وعادت المدينة الشامخة سيرتها الأولى فعمت حركة العلم والتدريس، وضاقت المساجد والمدارس الفسيحة بالطلبة والمدرسين وتطور الأدب والشعر منذ ذلك الحين تطوراً ما نزال نراه إلى يومنا هذا تحت تأثير الهجرة الأندلسية التى جاءتنا بالرقة وفن الموشحات وتحت تأثير الأدب الشعبي الذي جاء به الهلاليون، والذي لا يزال يانعاً إلى يومنا هذا بقطر الجزائر خاصة، وببقية أقطار المغرب العربي عامة .

وقد اشتهر من ابناء المغرب الأوسط فى هذا العهد الزاهر القسنطيني، ويوسف بن إبرهيم الوارجلاني، ومن الشعراء أفذاذ من رجال العلم كمحمد الجزائري، والحسن بن الفقون الفنانين، كأمثال الشريف بن عمارة، وعائشة بنت عمارة الشريف، التي تقول في هجر خاطب لها كان أصلع قبيح المنظر:

عذیری من عاشق أصلع قـبـيـح الإشارة والـمـزع

يروم الزواج بما لو أني يروم به الصفع لم يصفع

برأس حويج إلى الكيـة ووجه فقير إلى برقع

وناهيكم – سادتي – بوسط تقول فيه فتاة مثل هذا الشعر وينقل ويروى عنها .

ولا ينسى التاريخ أن الجزائر الموحدية قد أنشأت أسطولاً ضخماً للدفاع عن الساحل المغربي في البحر المتوسط، ولحماية التجارة والتبادل الاقتصادي، وأن المرسى الكبير الذي اتخذ في ذلك العهد – آوى لذلك الأسطول -، لا يزال إلى يومنا هذا من أمنع المرافئ العسكرية بالبحر المتوسط ويعتبر ثالث مركز في هذا البحر للأسطول الفرنسي إلى أن يعود بفضل الثورة الجزائرية، معقلاً للأسطول الجزائري في المستقبل إن شاء الله.

خرجت الجزائر مرة أخرى أيها السادة من هذا الاستقلال المغربي الواسع، إلى استقلال جديد إقليمي لا يشمل إلا البلاد الجزائرية، ولذلك عندما أدرك الهرم دولة الموحدين بعد أن أدت رسالتها كاملة وخلفتها بالبلاد التونسية زهرتها اللامعة دولة بني حفص بالجزائر دولة بني زيان وبالمغرب الأقصى دولة بني مرين .

كانت عاصمة الدولة الجزائرية هذه المرة في الغرب وهي مدينة تلمسان بينما كانت العاصمة في الوسط أيام الرستميين وهي تيهرت. وفي الشرق أيام بني حماد. وهي بجاية. وما هي إلا مدة وجيزة، حتى كان ياغمراسن العظيم، زعيم قبيلة بني عبد الواد، قد أتم تكوين هذه الدولة الفتية، التي كانت أطول الدول الجزائرية عمراً ، إذ عاشت حوالي الثلاثمائة سنة تقلبت فيها بين أحضان الحضارة والتقدم والعمران، وأينعت فيها العلوم والفنون والآداب، وأصبحت مدينة تلمسان الزاهرة قبلة الأنظار ومحط رجال العلم والأدب، ونبغ فيها من العلماء والشعراء والصناع والمهندسين أفذاذ ذاع صيتهم في كل جهات العالم العربي.

والملاحظ أن ملوك بني زيان في تلمسان، قد أطلقوا على أنفسهم لقب : أمير المؤمنين لأول مرة في التاريخ الجزائري. ونظموا الدولة تنظيماً محكماً – إذ فصلوا فصلاً تاماً بين الجهاز العسكري الذي يتولاه صاحب السيف والجهاز الإداري الذي يرأسه صاحب القلم والجهاز القضائي الذي يشرف عليه قاضي القضاة . وآثار هذه الدولة الزيانية لا تحصر ، وعلماؤها وأدباؤها لا عدد، وتاريخها الحافل الطويل لا يمكن أن يلخص يحصى لهم في مثل هذا الحديث القصير، إنما هنالك – والحمد لله – كتب باقية عن اثار هذه الدولة ورجالها، مثلاً: بغية الرواد ليحيى ابن خلدون، شقيق المؤرخ العملاق عبد الرحمن بن خلدون الذي كتب مقدمة تاريخه وهو بأرض الجزائر يتفيأ ظلال الأمن الزياني وكتاب البستان» لابن مريم، وكتاب الدرر والعقيان» للتنسي. وغير ذلك من أمهات الكتب  الجزائري التي تروي لنا ما يشبه الأساطير عن هذه الدولة ورجالها، ومدينتها وعمرانها .

وقد تباهى الملوك في بناء المساجد الفخمة، والمدارس الفسيحة التي كانت من روائع الفن المعماري، ولا يزال بعضها موجوداً إلى يومنا هذا . وأغدقت على طلبتها وعلى شيوخها الأرزاق حتى ينقطعوا للعلم والنفع والهداية. وممن ذاع صيتهم من رجال العلم في هذه المرحلة من تاريخ البلاد الجزائرية، المفسر الكبير محمد بن مرزوق، وأحمد بن يحيى الونشرسي، صاحب المعيار المعرب عن فتاوى أفريقيا والمغرب ومحمد السنوسي، وعبد الرحمن الثعالبي صاحب تفسير الجواهر الحسان، والفلكيين الشهيرين القلصادي وابن قنفذ، والمهندس ابن الفحام صانع المنجانة، وهي ساعة ناطقة متحركة تعتبر أعجوبة من الأعاجيب، وقد وصفها يحيى بن خلدون في كتاب بغية الرواد وصفاً مدهشاً ، ونال عنها ابن الفحام جائزة سنوية، ألف دينار ذهباً، إلى أن مات. وقد سبق بنحو مائتي سنة أول ساعة أوروبية ناطقة . في هاتيك الأثناء، كان الإسبان قد فوضوا بصفة نهائية آخر ممالك المسلمين بالأندلس، واقتدوا بسنة أسلافهم النورمانديين حين فرغوا من أمر المسلمين في صقلية، فهاجموا في قوة وعنف سواحل المغرب العربي، واستقروا في كثير من سواحله، وارتكبوا فيه من الموبقات والفظائع ما لا يزال يذكره التاريخ في صفحات الخزي والعار، ولم تقو دولة بني حفص بتونس كما لم تقو دولة بني زيان في تلمسان على رد هذا العدوان الأثيم. وكادت البلاد التونسية والجزائرية تقع فريسة العدوان المتهوس، لولا أن جاء الإنقاذ هذه المرة من جهة الشرق على يد أسطول البحارة الأتراك الذين استنفرهم أهل البلاد للمشاركة في الجهاد فجاؤا وأبلوا البلاء الحسن، وانضمت الجزائر كما انضمت تونس إلى الخلافة العثمانية التي هيمنت في مستهل القرن السادس عشر على كل بلاد الترك والعرب والجنوب الشرقي من أوروبا حتى أصبحت الإمبراطورية العثمانية تمتد من جنوب روسيا إلى مدينة تلمسان،  وتقف عند حدود المغرب الأقصى، الذي حافظ على استقلاله.

منذ ذلك الحين، أي منذ سنة 1510م أصبح المغرب الأوسط يدعى «أرض الجزائر وأصبحت مدينة الجزائر عاصمة لهذه الولاية الممتازة، التي جمعت الشمل ورسمت الحدود الحالية، ووحدت الشعب الجزائري حول إدارة مركزية قوية، ذات نظام عسكري متاز. لكن الجزائريين لم يبقوا طويلاً خاضعين لنظام الولايات الذي تهيمن عليه استامبول . بل إنهم انفصلوا بإدارتهم عنها انفصالاً تاماً ، وأعلنوا استقلالهم مع بقائهم ضمن دائرة الخلافة العثمانية. وأصبحت الدولة الجزائرية داخل حدود الجزائر الحالية، مستقلة بسياستها الداخلية حرة في سياستها الخارجية، مطلقة التصرف في سياستها الحربية والبحرية، وقد عقدت المعاهدات العديدة مع أغلب دول  العالم التي كانت ترتاد البحر المتوسط وأرسلت القناصل وقبلت القناصل والتحمت في حروب هائلة طويلة مع الكثير من دول أوروبا. منها إسبانيا التي ألحقت بها الدولة الجزائرية أكبر النكبات الحربية والبحرية خلال 300 سنة ومنها فرنسا والدانمارك، ودول إيطاليا قبل الوحدة. وإنكلترا وحتى الولايات المتحدة التي كانت الجزائر من أول المحترفين باستقلال .

ولقد كان النصر دائماً حليف الدولة الجزائرية التي كانت تملك أسطولاً ضخماً ألقى الرعب في قلوب الأعداء، وكان مؤلفاً من 220 سفينة يمتطيها ثلاثون ألفاً من الجزائريين. ولم يكن الأسطول الجزائري يمارس لصوصية البحر، كما يدعي أعداؤنا اليوم. بل كان يمارس القرصنة المشروعة وهي نوع من الحرب البحرية، مثلما كان يمارسها القراصنة الإنكليز، والفرنسيون والبرتغاليون، والإسبان، وغيرهم، ولقد اشترك الأسطول الجزائري والأسطول المصري في حرب اليونان. كما اشترك الجيش الجزائري مع الجيش المصري في حرب اليونان. إلى أن وقع العدوان الثلاثي : الإنكليزي، الفرنسي، الروسي في واقعة (نفارين) سنة 1827م وحلت بالأسطول الجزائري إلى جانب الأساطيل الإسلامية نكبة كبيرة فادحة كانت من أكبر الأسباب للتغلب الفرنسي على الجزائر سنة 1830م.

فالعدوان الفرنسي الذي وقع على الجزائر لم يقع على مقاطعة عثمانية بل وقع على دولة مستقلة حرة، تعترف الكثير من الدول ومنها : فرنسا، ومنها : إنكلترا، ومنها : أمريكا باستقلالها وبحريتها في ذلك الوقت.

ولم تكن الجزائر طيلة هذه الثلاثة القرون، إلى جانب قوتها العسكرية والبحرية متأخرة في الميادين الاجتماعية والعمرانية والعلمية بل إنها كانت محافظة على تراثها القديم، ساهرة على نشر العلم وإقامة المعالم والمدارس ونبغ خلال هذا العهد عدد من الأعلام ذاع صيتهم في كل جهات العالم العربي كعيسى بن محمد الثعالبي . ويحيى بن صالح الملياني. وسعيد المقرى، وأحمد بن عمار  الجزائري، وعمر المنقلاتي، وأحمد المقرى الكبير الذي ندين له بحفظ الأدب الأندلسي في ذلك الكتاب الممتع نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب.

وقد كان المقري من أول من تغنى بذكر الجزائر الجديدة ونشر صيتها في بلاد الشرق العربي. ومن ذلك قوله ارتجالاً وهو بدمشق : كلف الفؤاد بحبها وهواها بلد الجزائر ما أمر نواها يا عادلي في حبها كن عاذري يكفيك منها ماؤها وهواها فأنتم ترون سادتي من هذه الخلاصة، أن هذه الأرض الجزائرية المناضلة قد بقيت مستقلة استقلالاً تاماً تحت راية دولها الإقليمية مدة ثمانمائة سنة،  واشتركت فى الاستقلال مدة 150 عاماً فهي في الاستقلال. وهي جديرة المغربي الواسع بالاستقلال. وهي بجهادها وشيكة الحصول على الاستقلال.

فما كان الاستعمار الفرنسي في البلاد منذ سنة 1830هـ إلى يومنا هذا ، إلا سلسلة من أعمال القسوة، والوحشية، والفظائع  والمنكرات. وقد حال بينها وبين العلم. وحارب فيها الإسلام وحرّم فيها العربية. وشرد أهلها واستحوذ على أرضهم وأملاكهم، وحكمها حكماً استعمارياً اعتبر فيه المستعمرين سادة وأهل البلاد عبيداً .

وما كان عهد هذا الاحتلال البغيض إلا سلسلة متواصلة الحلقات من الكفاح البطولي، ومن الثورة المتواصلة، ومن المحاولات السياسية والحربية لتحطيم الأغلال، واسترجاع الاستقلال .

فإذا كان كفاح عبد القادر العظيم قد تحطم بعد 50 سنة، وإذا كانت ثورات المقراني وأولاد سيد الشيخ والأوراس وغيرها قد خابت، وإذا كان الشعب الجزائري قد دفع ثمناً للحرية والخلاص، ما يعادل النصف من مجموع السكان قديماً، فإن ثورتنا العارمة التي أعلناها يوم غرة نوفمبر سنة 1954م، والتي تجتاز الآن سنتها السادسة. رغم قوة الأعداء. وبطشهم وتنكيلهم. سوف تعيد الحق إلى نصابه. وترجع الاستقلال إلى الشعب المجيد الذي آمن بالحرية . وقدم في سبيلها غزير التضحيات، والذي سينال رغم كل شيء، ثمرته وسيعيش حراً سعيداً فوق أرض آبائه وأجداده معتزاً بعروبته وإسلامه فخوراً بتاريخه المجيد.

وشكراً جزيلاً – سادتي – والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Loading

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!