هذه ترجمة تقريبية لمقال الأستاذ المدني والتي افتتح بها العدد الأول من جريدة الشاب المسلم التي أصدرتها شبيبة جمعية العلماء في الخمسينيات من القرن الماضي. والمقال يحمل في سطورة صيحة تحذير للعلماء العاملين بمخاطر اهمال الشبيبة المسلمة التي تعلمت تعلما غربيا صرفا ووجوب التصدي لانحراف خطير قد يقسم ظهر الأمة الجزائرية العربية الإسلامية ألا وهو خطر الدعاية البربريستية.
وهاكم المقال وأصله بالفرنسي في الصفحة بالفرنسية لهذا الموقع:
أيها الشباب المسلمون الجزائريون!
أيتها القوة الحيّة والفعّالة في وطننا!
لقد وُلدت صحيفتكم.
إنها منكم وبكم، وهي انعكاس لإرادتكم. يجب أن تكون، بين الشباب المسلمين ذوي الثقافة العربية، وأولئك المتأثرين بالثقافة الفرنسية، أكثر من مجرد جسر تواصل: يجب أن تكون الأداة العليا لوحدتنا في جسم وطني وإسلامي واحد.
حتى الآن، نشأ الشباب المسلمون الجزائريون في مدرستين مختلفتين، فعاشوا في عالمين متباينين، رغم الروابط التي لا تنفصم بينهم من الوطن المشترك، والدين، والمثل العليا، ما جعلهم مهددين باتباع طرق متباعدة قد تؤدي إلى تكوين مجتمعين منفصلين بحواجز منيعة.
إن التهاون الإجرامي الذي يسمح بحدوث عواقب هذا الخطر سيُعدّ نصراً عظيماً للنظام الاستعماري، الذي يسعى، من خلال تفرقة مدروسة ومتعمدة، إلى تقسيم شبابنا المثقف إلى فئتين، وتشويه بعضاً من خيرة عناصره.
كلا! يمكننا أن نعلن بكل فخر ويقين أن الاستعمار سيفشل في محاولاته الإجرامية! فالوطن الذي أنجبه أجدادنا العظام سيظل موحداً إلى الأبد، تحت راية الإسلام الروحية، وضمن إطار الثقافة العربية العالمية.
لكن، هناك مع ذلك، واقع مرير: بعض شبابنا الذين تلقوا تعليماً غربياً بحتاً يجهلون الإسلام تماماً، أو يعرفون عنه القليل فقط. بل إن عدداً منهم يميل إلى الاعتقاد – تأثراً بعدد من الكُتّاب الجهلة أو المتحيزين الذين جعلوا من التشهير بالإسلام مهنة ودعاية سياسية – بأن الدين الإسلامي هو دين الرجعية، والجمود، بل والجهل والظلامية!
بالنسبة لهؤلاء الشباب، فإن الحضارة الإسلامية العظيمة التي امتدت بقوة من نهر السند إلى السنغال، وأشعّت لقرون في حين كان بقية العالم غارقاً في الجهل وخوف الشيطان، والتي أثمرت في أفريقيا وآسيا وجنوب أوروبا، لا تُعدّ في نظرهم سوى فترة غير فعالة من التاريخ، بلا أثر ولا مستقبل!
وقد رأينا، في ظل هذين المفهومين الخاطئين، بروز فكرة مصطنعة صنعها الاستعمار وروّجها بعض الأشخاص – عن وعي أو عن غير وعي – كانوا أفضل أعوان “المُمزقين” لوحدتنا الوطنية، وهي ما يُعرف بالحركة البربرية الزائفة.
إن هذه الانحرافات الثلاثة الخطيرة قد تُهدّد، إذا قوبلت بإهمال أو قلة مبادرة من طرفنا، وحدة الأمة الجزائرية، وقد تزرع في وطننا جماعة متمردة، معادية حتماً للعروبة، وللإسلام، وللوطنية.
هذا هو الخطر الذي نسعى إلى مواجهته. لا ينبغي أن نغمض أعيننا حتى لا نراه، ولا أن نقنع أنفسنا بخطورة أقل مما هو عليه.
بل على العكس، يجب أن نواجه هذا الخطر المميت بشجاعة وبقوة إيمان. يجب أن نحاربه بجميع الوسائل، بإصرار، وبكامل قوتنا المعنوية حتى تظهر الحقيقة.بهذه الطريقة، وبها فقط، يمكننا أن نبني وحدتنا؛ وعندها فقط سيتولّد التيار الذي يُوحّد شبابنا، ويوجّهه نحو نضال مشترك، من أجل انتصار هدف واحد.
هذه الصحيفة، التي أسّسها شباب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هي يد أخوية صادقة ممدودة إلى شبابنا ذوي الثقافة الأوروبية.
ومن خلال هذه الصحيفة، التي أصبحت صحيفتهم أيضاً، سيتعرف هؤلاء الشباب على دينهم الحقيقي. سيكتشفون أن الإسلام هو دين الإنسانية الحيّة، الواعية، والثائرة. وسيرون أن الإسلام، لأنه دين العقلانية، والعلم الشامل، والتطور الضروري، يخشاه خصومه من الاستعماريين وغيرهم، ويسعون لهدم أركانه. ولكنهم بدأوا يدركون أن الإسلام قوة لا تُقاوَم.
سيعلم شبابنا أن دين محمد هو الديكارتية قبل ديكارت، وأنه الدين الوحيد في العالم الذي يجعل من علم أمثال باستور أو آينشتاين مقياساً للقيمة البشرية.
وسيعرفون أن الحضارة الإسلامية لم تكن فقط أصيلة ودائمة، بل كانت أيضاً حضارة عالمية من حيث الإلهام والتوجه، تميزت برعاية العلوم، والفلسفة، والفنون، وجميع مجالات المعرفة.
لقد تركت الحضارة الإسلامية آثاراً لا تُمحى حيثما مرّت. وهذه الحضارة لم تمت، بل عادت إشعاعاتها إلى البروز من جديد، أقوى من أي وقت مضى، بعد فترة من السكون فرضتها الظروف.
أعلم، أيها الشباب المسلم الجزائري، أنكم، بين المادية العمياء والمجردة من الأخلاق التي تقود العالم الغربي إلى الهلاك المادي والفراغ الروحي أو قل بين هذه الحضارة المجنونة، وبين حقائق ديننا الخالدة والهادئة، ستعرفون كيف تختارون.
وأعلم، أيضاً، أنكم ستفهمون أن الوحدة الوطنية، التي دفع أجدادنا ثمنها غالياً ودافعوا عنها، لا يمكن أن تُبعث من جديد إلا بنور الإسلام، وبواسطة اللغة الخالدة للقرآن، وبقوة الوطنية الجزائرية الواحدة غير القابلة للتقسيم.
فلننطلق معاً نحو فتح المستقبل، كما فتح أجدادنا الماضي!
أ. ت. المدني
الأمين العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
![]()
