كلمة في الصميم

هذا المقال عبارة عن افتتاحية العدد اﻷول من مجلة المعرفة التي أصدرتها وزارة الشؤون الدينية واﻷوقاف يوم كان يرأسها اﻷستاذ أحمد توفيق المدني.

؛

كلمة في الصميم

بقلم الأخ الأستاذ أحمد توفيق المدني

وزير الأوقاف

وحدنا صفنا، وحددنا هدفنا، ورسمنا طريقنا، ثم اندفعنا في حملة انشائية بناءة، تحرسها العروبة، ويحدوها الايمان، لنحقق لهذا الشعب البطل العملاق الغايات المثلى التي من أجلها ثار ومن أجلها تعذب، ومن أجلها قدم غزير الدماء وعزيز الارواح

وانتصرنا وكان حقا على الله نصر المؤمنين

انتصرنا، وكان انتصارنا عظيما، على مقدار ما كان نضالنا عظيما،

وخرجنا من الجهاد الاصغر، جهاد العدو الغاصب المحتل الى الجهاد الاكبر، جهاد البناء والتكوين والتعمير، وجهاد النفس، او بالاحرى خرجنا من حرب التحرير الكبرى، الى ثورة للتحرير الكبرى، فلنكن في ثورتنا ابطالا؛كما كنا في حربنا أبطالا

وان الاسباب والوسائل التى عبدت لنا سبل النصر، في حرب التحرير انما هي نفس الوسائل والاسباب التي تمهد لنا طريق النصر في ثورة التحرير، فالاتحاد المقدس الذى جعل الشعب كله رجلا واحدا، والايمان بالله والوطن وبمستقبل هذه الامة، وصلابة الارادة التي لا تقهر، ونكران الذات، والفداء المثالى الذى جعل الفرد هو المجموع وجعل المجموع هو الفرد والصبر المنعدم النظير على كل أنواع الأذى والحرمان بله التعذيب والتنكيل والمجازر الوحشية التي لم ترو فى أساطير الاولين ولا في وقائع الآخرين، والعمل المتواصل ليل نهار في جرأة وقسوة واقتناع، ودفع ثوري عارم جامح لا يلوى على شيء، يرينا اهدافنا ومثلنا العليا كأنما هي حقائق واقعية تدركها الابصار وتلمسها الاكف وتضامن نضالى وثيق الاوشاج، صهر الرجل والمرأة والشيخ والصبي فكون منهم بشرا سويا مثاليا يختطف الحياة، من بين براثن الموت، ويصارع الاهوال والخطوب، ويتحدى كل قوى الشر المتالبة العنيدة، فيتغلب عليها ويحطمها، ويملى ارادته عليها، فاذا هي خاضعة ذليلة تسمع وتطيع، وتشهد له الدنيا بانه رجل فوق طاقة الرجال، وانه عملاق لم يجد بمثله الزمان.

ولنعلم علم اليقين، أن العدو الذى نقارعه اليوم، ربما كان أشد بأسا وأصعب مراسا من عدو الامس، انما هو مجموعة من مخلفات الماضي الاستعماري ومن رواسبه هو الفقر المدقع، هو البطالة المؤلمة هو القوى المحطمة هو الفراغ الصناعي هو الوهن الاقتصادى، هو التدهور الاخلاقى هو الانحراف بعض الانحراف عن تعاليم ديننا واخلاق قرآننا وسيرة سلفنا وشهامة اجدادنا.

فلنكن مجندين لمقارعة عدو اليوم، كما كنا، واكثر مما كنا مجندين المقاومة عدو الامس

ان الذين دكوا معاقل الاستعمار في ملحمة أسطورية خالدة، سيقيمون على أنقاضها وخرائبها صرح الاستقلال العتيد، ترفرف فوقه راية الحرية الغالية سنرفع، ونحن نرفع الآن، قواعد مجتمعنا الجديد ؛ على أسس متينة من الاشتراكية العادلة الفاضلة، حيث لا كلمة الا كلمة الشعب ولا رأى الا رأى الشعب ولا مصلحة الا مصلحة الشعب

ستعود الارض بشتى الطرق الاشتراكية العادلة الى الشعب، كل الشعب لا رجعية، ولا اقطاعية، ولا احتكار، ولا استئثار ستقوم المصانع الوطنية المختلفة، في كل ارجاء الوطن بايدى الشعب وبمال الشعب لمصلحة كل الشعب، ستعم كل جهات الوطن، المدرسة الوطنية العربية الصالحة، والمسجد الحي المعلم الصالح والنادي المرشد الاجتماعي الصالح.

ستتكافأ فرص الحياة أمام الجميع وسينال كل حسب عمله وحسب حاجته، فلا تعيش فئة محظوظة فوق المستوى العام، ولن تعيش فئة مظلومة تحت المستوى العام، تلك هى أسس ثورتنا، وتلك هى قواعد جبهة تحريرنا وتلك هي سياسة حكومتنا وتلك هى ارادة مجلسنا التأسيسي الا اننا لا ننسى، ولا يجب ان ننسى، ونحن في غمرة البناء والتعمير أننا الى جانب عقيدتنا الوطنية الراسخة، وايماننا الوطني الصحيح قوم عرب، نحن جزء لا يتجزأ من الامة العربية الصميمة، المندفعة اندفاعا ثوريا، صادقا لاستعادة امجادنا التاريخية التليدة، في كل ميادين الحياة العامة من سياسية وثقافية، واجتماعية واقتصادية

ان كل نصر عربي في اي ميدان من الميادين انما هو نصر لكل عربي في كل الوطن العربي :

العروبة امنا، والوطن العربى الفسيح وطننا، والمصير العربي مصيرنا.

ونحن ضمن هذا النطاق العربي، مغاربة، نحن جزء من وطن مغربي مشترك يلتحم دما، وروحا واحساسات، وعاطفة ومصلحة وأرضا ولا حياة ولا رفعة ولا نمو بجزء من اجزائنا المتلاصقة الا بحياة ورفعة ونمو بقية الاجزاء الاخرى. وما رأينا فى عالم الطبيعة جسما ينمو بعضه ولا ينمو كله الا العليل الشاذ، وليس مغربنا العربي الكبير بذى علة شاذ في الارض،

وفوق ذلك فنحن والحمد لله مسلمون مؤمنون، أخلاق القرآن أخلاقنا وآداب الاسلام آدابنا، وتعاليم الرسول الاعظم دستورنا وسيرة السلف الصالح قدوتنا، وفلسفة الاسلام الخالدة نبراس حياتنا اننا نؤمن في ثورتنا بان الاسلام الخالد الحنيف هو رأسمالنا، وهو الذي صاننا، وهو الذي ابقى في صدورنا جذوة الحمية والايمان ملتهبة موقدة وهو الذي ألف بين قلوبنا وألهمنا رشدنا فى سرائنا وضرائنا وهو الصخرة الصماء التي تحطمت فوقها موجات المستعمر، ودسائس المخاتل، واحابيل المنافق وشعوذة الدجال، فمرت علينا العصور تتلوها العصور، وذقنا من الحياة عسلها وحنظلها، وارتفعنا فبلغنا القمة، وانحذرنا – بشرف فوصلنا الهاوية. ثم، ها نحن أولاء نعود بحمد الله سيرتنا الاولى،

ونحن في كل عصر وفى كل ظرف، كنا ولا نزال، ولن نزال بفضل الله من احسن الناس اسلاما ومن أقومهم ايمانا، ومن أكثرهم سعيا ودأبا في سبيل احياء الاسلام، والحياة بالاسلام.

وليس من الغريب في مثل هذه الحالة، ان يتضمن دستور ثورتنا، في ميثاقنا الوطنى الذي انتظمنا في جبهة التحرير بندا يقضى بصريح العبارة انه، لن يجرى فى الجزائر الحرة المستقلة ما يتعارض مع تعاليم الاسلام.

والاسلام الخالد ثورة مستمرة، تشمل كل عناصر الدفع الثورى البناء، الصالح لكل مكان، وفي كل زمان، انه دين حركة مستمرة لا دين جمود، دين تقدم لا دين محافظة، ودين تحرر وانطلاق، لا دين قيود وقعود، ذلك الى جانب أسمى قوة روحية عرفها العالم وأرقى الاخلاق، يجمع بين العلم والعمل، ويوفق بين المادة والروح ويصل بين الدنيا والآخرة، ويحقق السعادة والامن والعدالة الاجتماعية للفرد والمجموع. هذا التراث الاسلامي العظيم، وهذا الهدى الاسلامى الذى يأخذ بيد الشعب فيذهب به الى أبعد مدى يمكن أن تدركه مجموعة بشرية فوق الارض هو ما أنشئت وزارة الاوقاف في الجمهورية الجزائرية من اجل احيائه والمحافظة عليه ونشره بين كل الاوساط. انما وسائلها الى ادراك هذه الغاية هى احياء المساجد وتصفيتها من أدران الماضي وتعميرها بالدروس النافعة وحلقات الارشاد المستمرة، وانشاء التعليم الديني القويم، في مدارس من مختلف الدرجات بين ابتدائية وعليا يأخذ فيها الدين بيد العلم، وتتخرج منها طائفة من شباب الجزائر، تصل الماضي بالحاضر وتهييء أسباب المستقبل، وتكون مثالا يحتذى به في الجمع بين التعمق في خصائص الدين واصوله، وبين التعمق في خصائص العلم الحديث ومكتشفاته ومخترعاته وهذه المجلة التي يسعد وزارة الاوقاف ان تقدم عددها الاول الى جمهور الشعب العربي المسلم فى الجزائر، ستكون بحول الله وقوته، رابطة روحية قوية تجمع بين مختلف الذين يؤمنون بان هدى الله هو الهدى. تنشر الصالح من التوجيهات والعميق من الدراسات، والمختلف من البحوث بين دينية وعلمية وادبية، وسياسية وتاريخية واقتصادية، كل ذلك في تنسيق اسلامي محكم، وفكرة ارشادية، توجيهية صادقة هذا هو هدف وزارة الاوقاف، وهذا هو هدف مجلتها واننا لنرجو ونسأل الله ان يحقق رجاءنا ان تسد هذه المجلة ثلمة في بناء وطننا ونقصا ملموسا في مجتمعنا، وان تكون الصديق الرفيق للرجل والمرأة ،للمعلم والمتعلم، لامام المسجد ولاستاذ المدرسة، حتى تساعد على نشر ثقافة عامة مركزة لا غنى لاحد عنها في المجتمع العالمي الحديث، في اطار اسلامي واضح.

كما ارجو أن تهفو الى هذه المجلة الفتية افئدة علمائنا، وادبائنا فيمدوها بالبحوث النافعة والآراء السديدة والادب الغض والشعر الفحل فابوابها مفتوحة لتقبل كل جيد ثمين.

فالي الامام، والى العمل المجدى الصالح، الى النهضة الكبرى التي تبوئنا أسمى مقام.

والحياة للجزائر،

والخلود للعروبة،

والمجد الابدي للاسلام.

Loading

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!